آراء

بين الرسوم والقوانين: معركة رواد العمل الحر في بلادنا

بقلم: سعيد الشعيلي

Advertisement

بينما تتحدث الحكومات الخليجية عن “دعم المؤسسات الصغيرة” على الملأ، يكتشف الكثير من الحالمين بالعمل الحر أن الواقع مغاير تمامًا. فبمجرد أن يخطو صاحب المشروع خطواته الأولى، يجد أن الطريق ليس مفروشًا بالدعم، بل مثقلًا بالمصاريف ومتاهة بيروقراطية تكاد تخنق الحلم قبل أن يولد.

غادر هؤلاء الأفراد الوظائف الحكومية التي توفر حدًا أدنى من الأمان، رغم أنها لا تضمن حياة كريمة، ليختاروا طريق الابتكار والمخاطرة، مستندين إلى مدخراتهم المحدودة أو دعم أسرهم. لم يطلبوا امتيازات خاصة، بل مساحة للتنفس وعدم التعامل معهم كعبء يجب تضييقه.

Advertisement

التحديات تظهر باكرًا

قبل انطلاق المشروع فعليًا، يتفاجأ صاحب المؤسسة بسلسلة من الرسوم والإجراءات: بداية من السجل التجاري، إلى غرفة التجارة، والترخيص البلدي، والبطاقة الضريبية، ورسوم أخرى تتصاعد مع كل خطوة جديدة. النتيجة: أعباء مالية خانقة قبل أن تشتعل أول لمبة في المحل أو يُباع أول منتج.

ولا تتوقف التحديات عند الرسوم، بل تمتد إلى شروط مقنّعة كالعقبات، مثل إلزام صاحب المشروع بتوظيف عامل أو أكثر منذ البداية، وإيداع رواتب شهرية ثابتة في البنك، متجاهلين حقيقة أن أغلب المشاريع الصغيرة تعتمد على إيرادات متذبذبة لا تسمح بالالتزامات المالية المستمرة.

المفارقة أن معظم هذه الرسوم لا تسهم فعليًا في تنشيط الاقتصاد أو تحقيق إيرادات ملموسة للدولة، لكنها تكلف المجتمع خسائر كبيرة حين تطفئ شرارة الحماس وتقضي على أفكار كان يمكن أن تولد وظائف ومنتجات محلية وتدعم نموًا اقتصاديًا مستدامًا.

نحو بيئة تشريعية مرنة

الحاجة اليوم ليست في إلغاء القوانين، بل في مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية والاقتصادية الخاصة بالمشاريع الصغيرة، عبر سياسات مرنة تدرك هشاشة البدايات، وتراعي الواقع الفعلي، وتؤمن بأن المؤسسات الصغيرة تمثل قيمة مضافة للاقتصاد إذا حظيت بالدعم المناسب.

ليست القضية في تنظيم دورات تدريبية شكلية أو الترويج لقروض بعيدة المنال، بل في تهيئة بيئة عمل حقيقية تمنح أصحاب المؤسسات الصغيرة فرصة للبقاء والنمو. فالدولة، وإن لم تستطع توظيف الجميع، يمكن على الأقل فتح طريق واضح للعمل الحر، بدلًا من إقامة حواجز أكبر من طوابير الانتظار نفسها.

تجربة واقعية

في تجربتنا الشخصية، واجهنا خسائر مالية كبيرة لتأسيس منبر إعلامي يهدف إلى نشر الوعي وتنوير المجتمع. وبديلاً عن الدعم أو التسهيلات، وجدنا أنفسنا أمام رسوم وضمان بنكي صارم، وغرامات متلاحقة بحجة عدم تحويل الرواتب عبر البنوك، رغم أن الجهات المختصة على علم بعدم وجود أي دخل لدينا، ما جعل الطريق نحو الاستمرارية محفوفًا بالعقبات وغير متاح إلا لمن يمتلك موارد لا محدودة.

هذه التجربة ليست استثناء، بل نموذج لما يعيشه العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة: أحلام طموحة تُكبحها القوانين الصارمة والبيروقراطية. وفي ظل هذه الظروف، يبقى السؤال المطروح: هل سيستمر أصحاب المشاريع الصغيرة في الابتكار والمجازفة، أم ستخبو شرارة الحماس ويغلقون أبواب مشاريعهم قبل أن تولد؟

الخلاصة

العمل الحر ليس رفاهية، بل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والإبداع الوطني. لتزدهر المشاريع الصغيرة، تحتاج الحكومات إلى تحويل العقبات إلى فرص، وتقديم بيئة تشريعية مرنة تمكّن الطموحين من بناء مستقبلهم دون أن تُخنق أحلامهم قبل أن تبدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى