بين التصعيد والردع.. صراع إيران وأمريكا يدخل مرحلة الاستنزاف المعقد

بقلم: يوسف حسن
تشير قراءة التطورات الأخيرة إلى أن الخيارات العملياتية المتاحة أمام الطرف المقابل، ولا سيما في المجالات عالية المخاطر، باتت تواجه قيوداً متزايدة تقلل من قابليتها للتنفيذ الفعلي. فسيناريو العمليات البرمائية، رغم بقائه ضمن الحسابات النظرية، يصطدم بعوائق لوجستية وتكتيكية معقدة، إلى جانب ارتفاع الكلفة القتالية، ما يحدّ بشكل كبير من احتمالات تفعيله. وحتى في حال تجاوز بعض هذه العقبات، فإن نتائجه قد تنقلب إلى استنزاف إضافي يفرض كلفة أعلى بدلاً من تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
أما خيار استهداف البنية التحتية الحيوية، ولا سيما في قطاع الطاقة وتصدير النفط، فلا يزال مطروحاً، إلا أنه يواجه معادلة ردع فعّالة تقوم على عدم القدرة على احتواء تداعيات الرد المقابل. إذ أظهرت تجارب سابقة أن أي استهداف لمرافق غير عسكرية قد يفضي إلى ردود أوسع وأكثر شدة، ما أسهم في ترسيخ «معادلة ردع متبادل» ترفع كلفة قرار التصعيد على جميع الأطراف.
ومن منظور استراتيجي، فإن اللجوء إلى استهداف الأهداف غير العسكرية غالباً ما يُعد مؤشراً على تعثر تحقيق الأهداف العسكرية المباشرة. وهو تحول يعكس محاولة لتعويض الإخفاق الميداني عبر الضغط في مساحات بديلة، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الصورة السياسية ويؤثر في مستوى الشرعية الدولية للطرف المبادر بالتصعيد.
وفي ما يتعلق بعمليات العمق، تشير التقديرات إلى أنها تتطلب اختراقاً واسعاً داخل الأراضي الإيرانية في بيئة دفاعية عالية الجاهزية وتحصينات مسبقة للمسارات المحتملة. هذا الواقع يرفع من مستوى المخاطر ويزيد احتمالات تحول تلك العمليات إلى إخفاقات مكلفة، وهو ما يفسر الحذر المتزايد لدى دوائر صنع القرار تجاه هذا النوع من العمليات.
في المقابل، تبقى القدرات الجوية إحدى أدوات الضغط الرئيسية، إلا أن فعاليتها باتت مقيدة بفعل تطور «معادلات ردع موازية»، تقوم على التهديد بردود غير متكافئة تستهدف بنى تحتية ومجالات حساسة. وبهذا، لا يقتصر الهدف على تعطيل الوسائل العسكرية، بل يمتد إلى التأثير في إرادة استخدامها.
وبصورة إجمالية، تشير المعطيات إلى أنه رغم استمرار وتيرة الهجمات واحتمال تصاعدها على المدى القريب، فإن الطرف المقابل يواجه صعوبة في تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة. وفي المقابل، لا تزال الأطراف الأخرى قادرة على الحفاظ على قدر من التوازن عبر تنفيذ ردود مضادة وبناء معادلات ردع فعالة.
وعلى المستوى الأوسع، تتجه المؤشرات نحو حالة من الانسداد الاستراتيجي، تتجلى في عجز عن حسم الأهداف العسكرية، وتقييد في فتح مسارات عملياتية فعالة، وصعوبة في إنتاج سردية نصر واضحة، فضلاً عن محدودية خيارات الخروج من دائرة الصراع. وفي هذا السياق، قد تتركز الجهود على تحقيق مكاسب محدودة وإعادة صياغتها كإنجازات مرحلية لتبرير أي مسار تهدئة أو إنهاء تدريجي للمواجهة.
وأخيراً، حتى أكثر السيناريوهات التصعيدية تطرفاً، في حال اللجوء إليها، ستبقى محكومة بقيود عملياتية وتداعيات استراتيجية معقدة يصعب احتواؤها. وعليه، يبدو أن مسار الصراع يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل تصاعد ضغوط الاستنزاف وغياب أفق حاسم في المدى المنظور.



