آراء

اليمن… الخليج الذي يسكننا

بقلم: معمر اليافعي

Advertisement

ليس السؤال ما إذا كانت اليمن دولةً خليجية أم لا، بل السؤال الأعمق: لماذا نخشى الاعتراف بما نعرفه جميعًا؟ ولماذا نتعامل مع الهوية كملفٍ سياسي، بينما هي في جوهرها حالة وجدانية، وامتداد تاريخي، وذاكرة لا تعترف بالحدود؟ فاليمن، مهما حاولت السياسة إبعادها أو تأجيل حضورها، تبقى جزءًا نابضًا من قلب الخليج، لا بوصفها جغرافيا فحسب، بل معنىً وروحًا وأصلًا لم يغب يومًا عن الوعي الجمعي لشبه الجزيرة العربية.

ليست المسافات وحدها ما تصنع الجغرافيا، ولا الخرائط ما تحدد الهويات. فهناك أوطان أكبر من حدودها، وأعمق من توصيفاتها الرسمية، واليمن واحدة من تلك الأوطان التي لا يمكن اختصارها في توصيف إداري أو وضعها على هامش منظومة سياسية. إنها وطنٌ علّمنا أن الرمل قد يتحول إلى تاريخ، وأن البحر ليس فاصلًا، بل بوابةً إلى العالم.

Advertisement

جغرافيًا، لا تقف اليمن خارج الخليج، بل عند قلبه الجنوبي. تمتد من حدود عُمان حتى حضن السعودية، وتطل على بحرين: الأحمر جنوب غرب الجزيرة، والعرب جنوبها، كأنها ذراع مفتوحة بين بحرين، تربط المشرق بالمغرب، وتحرس طرق التجارة القديمة التي عرفت قوافل اللبان والمرّ والبن، قبل أن تعرف المنطقة لغة النفط والاقتصاد الحديث. وعلى الخريطة، تبدو اليمن كيدٍ ممدودة، لا تنغلق على ذاتها، بل تشير دائمًا إلى الخارج، إلى التواصل والعبور.

لكن الجغرافيا وحدها لا تفسّر عمق العلاقة. فالسياسة، بطبيعتها المتغيرة، قررت أن تجعل اليمن خارج العضوية الكاملة لمجلس التعاون الخليجي. ليست عضوًا رسميًا، لكنها ليست غريبة عن المجلس ولا عن منطقه. حضرت في لجانه، وفي حساباته الأمنية، وملفاته الاقتصادية والإنسانية، وظلت دائمًا “قريبة دون أن تُحتضن بالكامل”. وهنا يتكشّف التناقض: كيف يمكن تجاهل بلدٍ يشكّل العمق الجنوبي لشبه الجزيرة، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويملك إرثًا بشريًا وثقافيًا من الأقدم في المنطقة؟

التاريخ يجيب بوضوح. قبل أن تُولد فكرة “دول الخليج” بصيغتها الحديثة، كانت الجزيرة العربية فضاءً واحدًا. القبائل تتحرك بلا جوازات، والقوافل تعبر بلا حواجز، والتجار والعلماء والحرفيون ينتقلون بين صنعاء ومسقط، وبين حضرموت والبحرين، وبين عدن ونجد، دون أن يسألهم أحد عن الهوية السياسية. كانت الهوية آنذاك تُقاس بوشم التراب، وباللهجة، وبالاسم، وبالانتماء إلى الأرض لا إلى الوثيقة.

ثقافيًا، لا تحتاج اليمن إلى تصريح دخول إلى الخليج؛ فهي حاضرة أصلًا في تفاصيله اليومية. في المجالس الخليجية، حين يُشعل البخور في المجامر، وحين تتصاعد رائحة اللبان، يتكرر حضور اليمن دون أن يُذكر اسمها. في القهوة العربية، وفي طقوس الضيافة، وفي الشعر الشعبي، والأغنية، والإيقاع الذي يميل إلى الشجن أكثر من الصخب، تسكن اليمن كذاكرة صامتة لكنها عميقة.

حتى اللغة تشهد على هذا الامتداد. لهجات الجنوب السعودي وعُمان وأجزاء من الإمارات وقطر والكويت تحمل آثارًا يمنية واضحة في المفردات والنبرات ومخارج الحروف، كأن الصوت نفسه رفض أن يعترف بالحدود الحديثة. وفي الفن والموسيقى، من الزامل إلى الأغنية المعاصرة، يظل الإيقاع اليمني حاضرًا، يربط بين الحزن والكرامة، وبين الحنين والقوة.

وثمّة بعدٌ إنساني لا يمكن تجاهله. ملايين اليمنيين عاشوا ويعيشون في دول الخليج، لا كغرباء، بل كجزء من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي. شاركوا في التعليم والبناء والتجارة والإدارة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. ونشأت بينهم وبين أهل الخليج علاقات مصاهرة وجيرة وشراكات وصداقات امتدت لعقود. وحين تتأمل هذه العلاقات، تدرك أن الحديث عن اليمن ليس حديثًا عن “دولة مجاورة”، بل عن أهل ووجوه مألوفة وقصص مشتركة.

ومع ذلك، ظلّ الخطاب السياسي يتعامل مع اليمن غالبًا بوصفها “ملفًا”: أمنيًا أو إنسانيًا أو عبئًا محتملًا. وهذا التوصيف، في جوهره، اختزالٌ ظالم. فاليمن ليست عبئًا على الخليج، بل قد تكون إحدى فرصه التاريخية المؤجلة. فهي تملك موقعًا استراتيجيًا، وعمقًا بشريًا، وإرثًا ثقافيًا قادرًا على أن يكون جزءًا من مشروع خليجي أوسع، يرى في الإنسان والثقافة والمعرفة عناصر قوة لا تقل أهمية عن الاقتصاد والطاقة.

إن استقرار اليمن ليس ترفًا خليجيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالأمن في الجنوب ينعكس مباشرة على الشمال، والتوازن في البحر العربي وباب المندب جزء لا يتجزأ من أمن الخليج نفسه. واليمن، في المقابل، لن تجد عمقًا طبيعيًا أقرب من الخليج، إذا ما أُديرت العلاقة بعقلٍ جديد لا يرى في اليمن مجرد أزمة، بل شريكًا في الجغرافيا والمصير.

قد تختلف السياسات، وقد تتأخر القرارات، لكن الوعي الشعبي يظل أسبق. الشاب اليمني الذي يعمل في الرياض أو دبي أو مسقط لا يشعر أنه انتقل من إقليم إلى آخر، بل يرى نفسه متنقلًا داخل بيتٍ واحد اسمه الجزيرة العربية. والخليجي الذي يزور حضرموت أو عدن يكتشف سريعًا أنه لم يغادر هويته، بل اقترب من جذورها.

من هنا، يصبح عنوان «اليمن… الخليج الذي يسكننا» توصيفًا دقيقًا لا مجازًا لغويًا. فاليمن تسكن الذاكرة الخليجية: في الأغنية، والقهوة، والبخور، واللهجات، والأسماء، وفي التشابه العميق بين العادات والأحلام والمخاوف. قد تفصل السياسة ما يجمعه التاريخ، وقد تؤجل المؤسسات ما تعرفه الجغرافيا، لكن الزمن يميل في النهاية إلى الحقيقة الأعمق.

في الختام، قد لا تنضم اليمن رسميًا إلى مجلس التعاون اليوم أو غدًا، وقد تستمر الظروف في عرقلة هذا المسار. لكن ما لن يتغير هو ذلك الخيط الخفي الذي يربطها بالخليج: خيط من ذاكرة وقرابة وتاريخ مشترك، ومن لحنٍ قديم يسمعه الخليجي فيستيقظ داخله إحساسٌ بأنه يعرفه منذ زمن بعيد.

اليمن هي الخليج الذي يسكننا، لا لأن نصوص الاتفاقيات قالت ذلك، بل لأن الروح تعرفه. وحين تهدأ العواصف، سيكتشف الجميع أن ما حاولت السياسة تأجيله طويلًا، كان التاريخ قد حسمه منذ البداية.

معمر اليافعي (ابن الحصن)

كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر، الهوية، والفلسفة المعاصرة.

رئيس تحرير سابق لمجلة بيادر.

صاحب تجربة طويلة في الإعلام، والثقافة ، والتجارة.

مؤسس مشروع ثروان؛ رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى