الهيمنة الأمريكية الرقمية تحكم العالم … فأين العرب من المعادلة؟

بقلم: ناجي علي أمهز
بداية المشهد: متغيرات عالمية وصمت عربي
عاهدت نفسي ألا أكتب إلا نادرًا ، لأن في هذا الزمن ، العاقل هو من يتعظ بغيره. فالسياسة لم تعد مجرد آراء ومواقف ، بل أصبحت ساحة تُحكم بقواعد صارمة ، ومن لا يفهمها يجد نفسه خارج اللعبة ، أو ربما يدفع الثمن غاليًا.
لقد تبدلت موازين القوى وتغير الزمن بشكل دراماتيكي. الأمس القريب شهد مغادرة بشار الأسد قصوره على عجل، واحتلال إسرائيل أجزاء جديدة من سوريا ولبنان. في الوقت نفسه، كانت أمريكا توقع على حل الدولتين ، بينما اليوم تطالب بترحيل جميع الفلسطينيين من أرضهم. حتى بنيامين نتنياهو بات يسخر علنًا من العرب، كما كشفت صحيفة الغارديان.
على الجانب الآخر، نرى مصر تحشد قواتها في سيناء لمنع تهجير الفلسطينيين ، وهي نفسها التي أغلقت معبر رفح ومنعت دخول المساعدات إليهم. كيف ستواجه مصر قرار ترامب ، وهي التي كانت بالأمس تُنفذ قرارات إسرائيل بمحاصرة غزة؟
الموقف العربي: انقسام وضعف في اتخاذ القرار
رأينا جميعًا الملك عبد الله ملك الأردن في لقائه مع ترامب ، حيث بدا مرتبكًا في مكانه ، قبل أن يُنقل إلى المستشفى بعد الاجتماع مباشرة. في الوقت ذاته ، صرّح ترامب قائلًا: “لقد عرض عليّ العرب خطة بديلة تتضمن استعدادهم لإعمار غزة وتعويض إسرائيل، بل وضمان ألا تبقى قطعة سلاح واحدة تهددها. إنهم مستعدون لفعل أي شيء، فقط حتى لا يُرحَّل الفلسطينيون إلى بلادهم!”
أما نتنياهو، فقد ألمح إلى أن السعودية ربما تستوعب الفلسطينيين المهجرين ، مما أثار موجة من الاستياء في الإعلام الرسمي السعودي. ومع ذلك ، كانت السعودية الدولة العربية الوحيدة التي اتخذت موقفًا واضحًا ، إذ رفضت خطة ترامب فور إعلانها ، وأصدرت بيانًا في الساعة الرابعة صباحًا حسب الغارديان.
لكن ماذا عن بقية العرب؟ يبدو أن الانقسام بلغ ذروته. فبينما أكد سفير الإمارات لدى واشنطن: “نحن جميعًا نبحث عن حلول”، نجد أن بعض الدول العربية ، خاصة تلك التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل ، غير قادرة على رفض ترحيل الفلسطينيين علنًا ، إما بسبب تحالفاتها أو ضعف تأثيرها السياسي.
ثمن التخلي عن المقاومة: غياب الوزن الاستراتيجي
اليوم ، تدفع الدول العربية ثمن تخليها عن المقاومة ، ليس من أجل الانتصار على إسرائيل ، بل فقط لتعزيز موقفها الداخلي. فالشعوب التي لم تتحرك لنصرة غزة ، لا يُعوَّل عليها سياسيًا.
لم يعد هناك شيء اسمه تحالفات ثابتة بين الدول ، فالذكاء الاصطناعي هو من يحدد الاتجاهات الاستراتيجية. من يظن أن السياسة والاقتصاد لا تزال تُدار بعقول بشرية فهو واهم ، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت ترسم السياسات الاقتصادية والعسكرية والتنموية. حتى ترامب نفسه لا يملك القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة ، بل ينفذ توجيهات تفرضها معطيات الذكاء الاصطناعي ، تمامًا كما نفذ قرارات ترحيل المهاجرين ووقف منح الجنسية للمولودين في أمريكا.
بل إن الذكاء الاصطناعي وبّخ نتنياهو قائلًا: “العرب الذين حاصروك مع الفلسطينيين هم أنفسهم من سيتكفل بقتلهم إذا تم ترحيلهم إليهم ، تمامًا كما حدث في السبت الأسود في الأردن. ستعم الفوضى ، وستحصل إسرائيل على كل ما تريده دون أن تخسر دولارًا واحدًا.”
مأزق العرب: أزمات متراكمة وموقف متفرج
يُلام ترامب على قراره بترحيل الفلسطينيين ، لكن هل نحن أمام قرار فردي أم نتيجة تراكمات سياسية وثقافية جعلت العرب متفرجين على قضاياهم المصيرية؟
الواقع أن قرار ترامب لم يكن وليد اللحظة ، بل هو انعكاس لوضع عربي مأزوم لا يمتلك القدرة على فرض خياراته. الشعوب العربية لم تتحرك حينما تعرضت غزة للإبادة في شهر رمضان تحت القصف والجوع. هل كانت إسرائيل وحدها من حاصرت غزة ، أم أن الأنظمة العربية كانت شريكة غير مباشرة في هذا الحصار؟
حينما أعلن ترامب عن خطته ، لم تجرؤ أي دولة عربية على قطع علاقاتها معه، ولا حتى مع إسرائيل. لماذا؟ لأن النظام العربي فقد هامش المناورة ، وأصبح رهينة التوازنات الدولية ، حتى باتت مجرد مصافحة ترامب لحاكم عربي تُعتبر تنازلًا من جانبه!
لو سألنا الذكاء الاصطناعي عن مستقبل العرب، فسيجيب:
الصينيون يبتكرون ويصنعون ، ولولاهم لعاش العرب كما كانوا قبل قرن.
الهنود ، رغم تنوعهم ، لم يخوضوا حروبًا أهلية طاحنة ، وحققوا نهضة تقنية.
الأوروبيون والأمريكيون يبحثون عن مستعمرات في الفضاء، بينما العرب يناقشون إن كانت الأرض مسطحة.
الأفارقة، رغم بساطة حياتهم، يعيشون في انسجام مع بيئتهم.
أما العرب ، فبالرغم من أنهم يتحدثون لغة واحدة ، إلا أنهم منقسمون حتى على أبجديتهم ، ورغم امتلاكهم أغنى مخزون نفطي ، لم يبنوا نموذجًا صناعيًا واحدًا.
إلى متى؟ سؤال بلا إجابة
إن ما أكتبه ليس مجرد نقد للواقع، بل محاولة للبحث عن حلول. لا بد من إعادة النظر في مفهوم الدولة الوطنية ، وبناء اقتصادات إنتاجية بدلًا من الاعتماد على الريع ، وتعزيز الهوية الثقافية بعيدًا عن الخطابات الشعبوية.
العصر الأمريكي البريطاني، المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيحسم مصير العرب إذا لم يبادروا إلى التغيير. دخلنا عصرًا جديدًا ، لكننا ما زلنا نحمل عقلية الماضي. فإلى متى؟
رحم الله أطفال غزة، الذين قُتلوا عشرات المرات بسبب الصمت العربي.
لا يجوز أن تبقى الأمة العربية تدور في دوائر مغلقة، ترفض النقد، وتقدّس الجمود، بينما العالم يتقدم بخطى متسارعة. وإن استمرت على هذا النهج، فليس مستبعدًا أن تعود إلى العصر الحجري، ليس كاحتمال، بل كحتمية تاريخية.
اليوم، حتى الذكاء الاصطناعي يُدرك أن العرب إذا لم يعالجوا مشاكلهم، فإن الحل الوحيد هو ما طرحه ترامب. والسؤال الآن: هل ما زال هناك وقت للتغيير؟ أم أن العرب اختاروا مصيرهم بأنفسهم؟
