آراء

العدالة الرقمية الشاملة في خدمة ذوي الإعاقة

بقلم: د. مها السقا

Advertisement

لم تعد حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مسألةً تشريعيةً فحسب، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على تحويل النصوص القانونية إلى واقع رقمي عادل. فنحن نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ تشريعات تحمي الحقوق، وتكنولوجيا تتخذ القرار، وبينهما أشخاص ذوو إعاقة قد يُقصَون بصمت داخل أنظمة ذكية لا تراعي احتياجاتهم.

ومع التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والصحة والتوظيف والخدمات العامة، لم يعد السؤال القانوني المطروح هو ما إذا كان ينبغي استخدام هذه التقنيات، بل كيف يمكن توظيفها بما يضمن عدم التحيز الخوارزمي. فالذكاء الاصطناعي، إن لم يُضبط قانونيًا وتشغيليًا، قد يُنتج تمييزًا غير مرئي لا يصدر عن نية سيئة، لكنه يترك أثرًا بالغ الخطورة على الفئات الأكثر احتياجًا للحماية.

Advertisement

وتستند حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مرجعيات دولية راسخة، في مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي أكدت أن الإتاحة ليست تفضّلًا تقنيًا، بل شرطًا جوهريًا لممارسة الحقوق. وقد جسدت مملكة البحرين هذا الالتزام من خلال التصديق على الاتفاقية، وتطوير تشريعات وطنية متقدمة، وتبني سياسات عامة تعكس رؤية شاملة لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مناحي الحياة. غير أن وجود النص القانوني، مهما بلغ من تطور، يظل قاصرًا ما لم يُفعّل داخل البيئة الرقمية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية نوعية تتمثل في إنشاء منصّة رقمية ذكية متكاملة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مملكة البحرين، تكون حلقة الوصل بين التشريع والتطبيق، وتحوّل الحقوق من نصوص قانونية إلى خدمات رقمية يومية ملموسة. تقوم هذه المنصّة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتيسير الوصول إلى الحقوق، وتقديم معلومات قانونية مبسطة، وربط الأشخاص ذوي الإعاقة وأولياء أمورهم بالخدمات الحكومية والصحية والتعليمية والاجتماعية ذات الصلة.

ولا تقتصر وظيفة هذه المنصّة على كونها أداة خدمية، بل تمتد لتكون مرجعًا وطنيًا شاملًا للتشريعات والسياسات والبرامج الخاصة بذوي الإعاقة، ونافذة تنسيقية تجمع مؤسسات المجتمع المدني، والجهات الرياضية والثقافية، والهيئات المعنية، بما يعزز التكامل المؤسسي ويحد من التشتت. كما يمكن للمنصّة أن تبرز التجربة البحرينية دوليًا، لتصبح مرجعًا إقليميًا ودوليًا للتشريعات والممارسات الفضلى في هذا المجال.

فالذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا حقيقية لتحسين الوصول إلى الخدمات، وتعزيز الاستقلالية، ودعم الاندماج المجتمعي، لكنه دون ضمانات قانونية وتشغيلية قد يتحول إلى خطر جديد. ومن هنا تبرز أهمية إخضاع أي نظام ذكي لتقييم أثر قانوني مسبق، وتدقيق دوري للعدالة الخوارزمية، مع الإبقاء على المراجعة البشرية وحق الاعتراض، وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في تصميم الحلول التقنية ذاتها.

إن مملكة البحرين، بما تمتلكه من بنية تشريعية متقدمة وتجربة مؤسسية داعمة، قادرة على إطلاق هذا النموذج الريادي، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تمكين حقيقية لا أداة إقصاء. فالذكاء الاصطناعي العادل لا يُقاس بمدى تطوره التقني، بل بقدرته على أن يرى الإنسان قبل البيانات، والحق قبل الخوارزمية.

ذوي

د. مها السقا

أستاذ مساعد القانون التجاري

كلية الحقوق – جامعة المملكة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى