آراء

الشارقة ليست مدينة .. بل فكرة تستحق أن تُروى

بقلم: معمر اليافعي

Advertisement

حين تتحدث عن الشارقة، فإنك لا تتحدث عن مدينة فحسب، بل عن رؤية شاملة، مشروعٍ ثقافيّ وإنسانيّ متكامل، جعل من الإمارة عاصمةً للثقافة، وجسرًا ممتدًا بين الأصالة والحداثة. إنها المدينة التي نجحت في الموازنة الدقيقة بين روح الماضي ونبض الحاضر، بين الذاكرة والابتكار، بين هويةٍ راسخة وطموحٍ لا يتوقف.

وراء هذا المشروع المتكامل، تقف رؤية استثنائية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الحاكم المثقف، والمؤرخ، والعاشق لهوية الإنسان العربي. لم يكن سموه مسؤولًا إداريًا فحسب، بل كان قائدًا يستشرف المستقبل، مؤمنًا بأن الأمم لا تُبنى بالحديد والإسمنت، بل بالوعي والمعرفة والارتباط العميق بالجذور.

Advertisement

لطالما تابعت هذه الشخصية الملهمة عن كثب، فوجدت فيها نموذجًا نادرًا لقائدٍ يرى في الثقافة ضرورة وجودية، لا ترفًا نخبوياً. في مشروعه الحضاري، تتجسد قناعة بأن كل نهضة حقيقية لا بد أن تنطلق من التراث، وتفتح نوافذها نحو الحداثة، دون أن تفقد هويتها.

لقد تحوّلت الشارقة، بفضل هذه الرؤية، إلى واحةٍ للمعرفة ومنبرٍ للفكر الحي. مشاريعها الثقافية تتوالى عامًا بعد عام، لتعيد للثقافة مكانتها، وتكرّم الكتاب، وتحتفي بالمبدعين. هنا لا يُحفظ التراث داخل المتاحف فحسب، بل يُستعاد في الحياة اليومية، ويُقدَّم للأجيال بأساليب تفاعلية تجعل من الماضي معلمًا للحاضر.

من الأسواق القديمة التي أعيد إحياؤها، إلى المتاحف المتخصصة، ومن الأحياء التراثية التي تحوّلت إلى مراكز نابضة بالحياة، إلى مشاريع نشر المخطوطات وإقامة الندوات الفكرية… كلها عناصر في مشروع ثقافي متكامل، هدفه الأول: بناء الإنسان.

ولعل أبرز تجليات هذا المشروع هو معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي لم يكن في يومٍ من الأيام مجرد سوقٍ للكتب، بل فضاءً معرفيًا حيًّا، ومنصة للحوار والتلاقي الثقافي. كنت من بين زوّاره الدائمين، وكنت أرى فيه كيف تلتقي العائلات والطلبة والمثقفون في مكانٍ واحد، حيث تدور نقاشات الهوية والمعرفة، وتُطرح الأسئلة الكبرى.

وحين اختارت اليونسكو الشارقة “عاصمةً عالميةً للكتاب”، لم يكن ذلك مجرد تكريم، بل تتويجًا لعقودٍ من العمل الثقافي العميق، والدؤوب، والممنهج.

الملفت في الشارقة أنها استطاعت أن تواكب الحداثة العمرانية والتكنولوجية دون أن تتنازل عن روحها. ففي شوارعها، تقف ناطحات السحاب بجوار البيوت القديمة، وفي فنونها، تتجاور السينما مع الحرف التقليدية، والمسرح مع الشعر، والفن البصري مع الخط العربي.

أما التعليم، فله موقع مركزي في هذا المشروع الحضاري. الجامعات والمراكز البحثية ليست فقط مؤسسات أكاديمية، بل مصانع لإنتاج الفكر، ولإعداد جيلٍ يقرأ ويفكر ويبتكر، دون أن ينسلخ عن تاريخه.

لكن ما يثير الإعجاب حقًا، أن هذا الاهتمام بالثقافة والتراث لم يأتِ على حساب الإنسان، بل كان لأجله ومن أجله. فالمشاريع الصحية والاجتماعية والتعليمية تُسند هذا البناء الثقافي، وتؤكّد أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان الواعي، المتشبث بهويته، المنفتح على العالم.

ولأن صاحب السمو حاكم الشارقة عاشق للتاريخ، فقد عمل على إحياء التراث العربي والإسلامي من خلال ترميم المخطوطات القديمة، ونشر الدراسات المتخصصة، وكأنه يربط بين الحاضر والماضي بحبلٍ من نور، ليمنح المستقبل أفقًا أوسع.

وهو لم يكن راعيًا صامتًا لهذه المبادرات، بل مشاركًا فاعلًا، يُشرف بنفسه، يُراجع، يُناقش، ويحرص على أدق التفاصيل. في حضوره، تشعر أن الثقافة ليست هامشًا، بل جوهر المشروع السياسي والاجتماعي في الشارقة.

وحين أسير اليوم في شوارع الشارقة، لا أرى مدينة فقط، بل أرى فكرة، أرى تجربةً رائدة في كيفية صناعة التوازن بين الفكر، التراث، والحداثة. تجربة تستحق أن تُروى، وأن تُكرَّر في مدن أخرى، في زمنٍ باتت فيه الثقافة تُهدّد بالذوبان في تسارع الحياة.

ويبقى السؤال: هل نستطيع أن نحمل هذه الشعلة إلى مدن أخرى؟ هل نُدرك أن الثقافة ليست مشروعًا موسميًا، بل نمط حياة؟ إن استطعنا، فإن ما زرع هنا في الشارقة، لن يكون مجرد لحظة استثنائية، بل إرثًا حيًا يستمر عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى