الرياضة من الملاعب إلى عالم الاستثمار: نحو تنظيم قانوني مستدام في البحرين

بقلم: د. مها السقا
لم تعد الرياضة في العصر الحديث مجرد نشاط ترفيهي أو ساحة للمنافسة البدنية، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية متكاملة ذات أبعاد تجارية واستثمارية متشعبة، تتقاطع فيها المصالح المالية مع الأطر القانونية والتنظيمية، بما يجعلها أحد القطاعات الواعدة في الاقتصادات الحديثة.
وفي هذا السياق، تبرز مملكة البحرين كإحدى الدول الخليجية التي أدركت مبكرًا أهمية الاستثمار في الرياضة بوصفه رافدًا اقتصاديًا واعدًا، وأداة فاعلة لتنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز مسارات التنمية المستدامة، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
ويشهد القطاع الرياضي في البحرين تطورًا ملحوظًا على صعيد البنية التحتية الرياضية، وتنظيم الفعاليات، واستضافة البطولات الإقليمية والدولية، الأمر الذي أسهم في تنامي الاهتمام الاستثماري بالأندية الرياضية، والأكاديميات المتخصصة، والمنشآت الرياضية، إلى جانب مجالات التسويق والرعاية وحقوق البث الإعلامي. ولم يعد النادي الرياضي كيانًا اجتماعيًا يعتمد على الدعم الحكومي فحسب، بل بات مشروعًا اقتصاديًا قادرًا على تحقيق عوائد مجزية متى ما أُحسن إدارته ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح ومستقر.
ومن منظور القانون التجاري، يُعد الاستثمار الرياضي نموذجًا متقدمًا للعلاقات التعاقدية المركبة، حيث تتداخل عقود الرعاية مع عقود الاحتراف الرياضي، واتفاقيات الشراكة مع حقوق الاستغلال التجاري والعلامات التجارية. وتكمن أهمية الإطار التشريعي في هذا المجال في توفير الحماية القانونية للمستثمرين، وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة، وتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الرياضية. وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري لوزارة شؤون الشباب والرياضة في وضع السياسات العامة المنظمة للقطاع، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار الرياضي، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وتقليص الاعتماد على الدعم التقليدي.
ويتقاطع هذا التوجه مع مستهدفات رؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي تركز على تنويع القاعدة الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستثمار في القطاعات غير التقليدية ذات القيمة المضافة العالية. فالرياضة، حين تُدار بعقلية اقتصادية وقانونية واعية، قادرة على خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط السياحة الرياضية، ودعم الصناعات المرتبطة بها، من إعلام وتسويق وخدمات لوجستية.
ورغم ما تحقق من تقدم ملموس، لا يزال الاستثمار في القطاع الرياضي البحريني يواجه عددًا من التحديات القانونية والتنظيمية، أبرزها الحاجة إلى تطوير تشريع رياضي متكامل يعالج خصوصية النشاط الرياضي الاستثماري، وينظم قضايا حوكمة الأندية، وآليات تسوية المنازعات الرياضية، وحماية الحقوق التجارية المرتبطة بالأنشطة الرياضية. غير أن هذه التحديات تمثل في الوقت ذاته فرصة حقيقية أمام المشرّع البحريني لتعزيز البيئة القانونية، وابتكار أدوات تنظيمية حديثة تواكب التطورات العالمية في هذا المجال.
وخلاصة القول، إن الاستثمار في الرياضة في البحرين لم يعد خيارًا ثانويًا، بل غدا مسارًا اقتصاديًا استراتيجيًا يتطلب تكامل الرؤية الاقتصادية مع البناء القانوني السليم. ويظل القانون التجاري حجر الأساس في تحويل الرياضة من نشاط مدعوم إلى صناعة مستدامة، قادرة على الإسهام بفاعلية في الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة البحرين كمركز إقليمي جاذب للاستثمار الرياضي.

د. مها السقا
أستاذ مساعد القانون التجاري
كلية الحقوق – جامعة المملكة



