آراء

الحماية الاجتماعية… ركيزة استقرار الدول وعمود توازن المجتمعات (1)

بقلم: معمر اليافعي

Advertisement

في النظم السياسية الحديثة، لم تعد قضايا الحماية الاجتماعية شأنًا ثانويًا أو ملفًا إداريًا يُدار ضمن الهياكل البيروقراطية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن الوطني، وعنصرًا محوريًا في بناء استقرار الدولة، وركيزة أساسية في قياس قدرة الحكومات على إدارة التوازن الاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من اختلاف الدول في سياساتها وأولوياتها، فإنها تتشارك حقيقة واحدة: الإنسان الذي تُهمل حمايته يتحوّل إلى نقطة ضعف للدولة قبل أن يكون مشكلة لنفسه.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات التي تُهمل شبكات الأمان الاجتماعي تصبح أكثر عرضة للتوتر، وتتسع فيها الفجوات الطبقية، وتتصاعد معدلات الجريمة، وتضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن الدول التي حافظت على حماية اجتماعية قوية ومرنة ومتطورة، استطاعت عبور الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبرى بأقل الخسائر، وبأعلى مستويات الاستقرار.

Advertisement

من هنا، فإن الحماية الاجتماعية لا تمثل مجرد حقٍ فردي، بل تُعد مصلحة عليا للدولة، وأداة لضبط توازن المجتمع، وتحقيق الأمن، ومنع الانهيارات التي قد تهدد السلم الوطني.

وفي جوهرها، تُعرَّف الحماية الاجتماعية بأنها مجموعة السياسات والبرامج التي تهدف إلى حماية الأفراد والأسر من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي لا يستطيعون مواجهتها بمفردهم، مثل المرض، والبطالة، والشيخوخة، وفقدان المعيل، وارتفاع تكاليف المعيشة. غير أن هذا التعريف الإداري لا يعكس عمق الدور الذي تؤديه الحماية الاجتماعية في البنية العامة للدولة؛ فهي تتجاوز الدعم المالي لتصبح منظومة شاملة للاستقرار الوطني.

فالدولة التي تترك مواطنيها يواجهون مصيرهم في ظل ظروف اقتصادية قاسية، أو تحديات صحية واجتماعية، أو فقدان مفاجئ للدخل، تدفع الثمن على مستوى الأمن والسلم الأهلي. أما الدولة التي تبني شبكة حماية اجتماعية قوية، فإنها تحمي نفسها قبل أن تحمي الفرد؛ إذ تُقلّل من احتمالات الانحراف والجريمة، وتحدّ من الضغوط التي قد تؤدي إلى انفجارات اجتماعية، وتمنع الفوضى من التمدد داخل الطبقات الأكثر هشاشة.

وقد شهد العالم نماذج مؤلمة لدول انهارت فيها منظومات الحماية الاجتماعية، فارتفعت معدلات الجرائم الصغيرة، وتضاعفت الجرائم المنظمة، واشتعلت الاحتجاجات، وفقد الناس ثقتهم في دولةٍ عجزت عن حماية أبنائها من الجوع. وفي المقابل، رأينا دولًا تجاوزت أزمات اقتصادية شديدة دون اضطرابات واسعة، فقط لأنها حافظت على شبكة حماية اجتماعية تحمي الكرامة الإنسانية، وتُعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة.

إن أهمية الحماية الاجتماعية لا تكمن في تقديم المال فحسب، بل في صون كرامة الإنسان. فالدولة القادرة على حماية كرامة مواطنيها هي دولة قادرة على حماية استقرارها السياسي. والإنسان الذي يشعر بأن دولته تقف معه في لحظات الضعف، سيكون أكثر استعدادًا للوقوف معها عندما تحتاج إليه. وهذه ليست علاقة تبادل مصالح، بل علاقة انتماء ومسؤولية متبادلة.

ويصعب، في أي سياق تحليلي، فصل الحماية الاجتماعية عن مفهوم الأمن الوطني. فالفقر المدقع إذا تُرك بلا تدخل، يتحول إلى بؤرة لمشكلات أمنية مركّبة. والجوع ليس قضية اجتماعية فحسب، بل قضية سياسية واقتصادية وأمنية في آن واحد. فعندما يعجز الإنسان عن تأمين الطعام لأطفاله، يتراجع التفكير المنطقي، وتتصدر الغريزة المشهد، وحينها يصبح الاستقرار بأكمله في دائرة الخطر.

وهذا ما أدركته الدول المتقدمة منذ سنوات؛ فالحماية الاجتماعية ليست «رفاهية حكومية»، بل أداة تمنع الجوع والفوضى معًا. ومهما بلغت قوة الأجهزة الأمنية، فلن تستطيع السيطرة على مجتمع تُسيطر عليه الحاجة. لذلك، فإن دعم الفقراء ليس تكريمًا، بل وقاية من انهيار أشمل. وتمكين كبار السن ليس إحسانًا، بل حماية لحق الإنسان في العيش بكرامة. ومساندة العاطلين ليست تفضّلًا، بل منعًا لإنتاج جيل يشعر بأنه بلا مكان في وطنه.

ومن هذا المنطلق، لا تُنظر الحماية الاجتماعية في الدول الحديثة بوصفها «مساعدات»، بل باعتبارها ضمانة لاستقرار الحكم. فالحكومات التي تبني شبكات حماية قوية تقلّل من احتمالات الاحتقان الشعبي، وتحافظ على علاقة صحية ومتوازنة مع مواطنيها. أما الدول التي تتجاهل الفئات الضعيفة، فغالبًا ما تجد نفسها أمام موجات غضب يصعب احتواؤها أو التنبؤ بها.

وتُظهر الدراسات الحديثة أن تآكل الطبقة المتوسطة يُعد من أخطر التحديات التي قد تواجه أي دولة. فإذا انهارت هذه الطبقة تحت وطأة الهشاشة والديون وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبح المجتمع مهدَّدًا من طرفين: فقراء يزداد ضغطهم، وأغنياء ينسحبون تدريجيًا من دورة المشاركة الاقتصادية. والحماية الاجتماعية، بما تتضمنه من دعم وتمكين وتأمين، تمثل خط الدفاع الأول لوقف هذا التآكل.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود نظام للحماية الاجتماعية فحسب، بل في فعاليته وقدرته على الاستجابة للواقع. فالتشريعات قد تكون جامدة، والمعايير قد لا تعكس الظروف الحقيقية للأسر، وقد تُستبعد فئات محتاجة رغم حاجتها الفعلية. لهذا، فإن التطوير المستمر ضرورة لا خيار، تطوير يقرأ الواقع لا الورق، ويصغي لحكايات البشر لا للأرقام فقط.

وتاريخيًا، كل منظومة حماية اجتماعية لا تُراجع نفسها، تفقد قدرتها على حماية المجتمع.

فالدولة، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى إنسان قوي.

والمجتمع، مهما تماسك، يحتاج إلى شبكة أمان تمنع السقوط.

والحكم، مهما كان عادلًا، يحتاج إلى توازن اجتماعي يحفظ استقراره.

لذا، فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى حماية اجتماعية؟

بل: كيف نبني حماية اجتماعية تحمي الدولة بقدر ما تحمي الإنسان؟

الدول التي تفكر للمستقبل تدرك أن الحماية الاجتماعية هي الاستثمار الوحيد الذي يعود بالنفع على الجميع:

على الفرد في كرامته،

وعلى الأسرة في توازنها،

وعلى الاقتصاد في استقراره،

وعلى الدولة في رسوخ حكمها وسلامة مجتمعها.

وفي الختام، فإن الحماية الاجتماعية ليست خيارًا،

بل ضرورة وطنية،

وفلسفة دولة،

وصمام أمان للمجتمع،

وركيزة لاستقرار الحكم،

ومرآة لمدى إنسانية النظام السياسي وقدرته على بناء علاقة متوازنة بين السلطة والمواطن.

معمر حسين اليافعي – ابن الحصن

كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر والهوية والفلسفة المعاصرة

رئيس تحرير سابق لمجلة بيادر

صاحب تجربة طويلة في الإعلام والثقافة والتجارة

مؤسس مشروع ثروان؛ رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية، وربط الماضي بالحاضر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى