آراء

استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر

بقلم : د. حيدر بن عبدالرضا اللواتي

Advertisement

تطرح وسائل الاعلام المحلية أحيانًا أسئلة على بعض الجهات المعنية حول ضرورة الاستمرار بعمل استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر، وهذا الموضوع يعد من القضايا المهمة؛ بل في غاية الأهمية ، لأنه يُسلّط الضوء على عنصر أساسي في أي اقتصاد يسعى إلى الاستدامة والمرونة في مواجهة الصدمات كالاقتصاد العُماني.

وقد تعرّض الاقتصاد إلى عدة صدمات في العقود الخمسة الماضية بسبب تراجع أسعار النفط العالمية أحيانًا وبصورة كبيرة، وبسبب الأزمات المالية والمناخية والتنافسية بين الدول نتيجة الجوسياسي السائد. واليوم فإن الاقتصاد يواجه فصلًا جديدًا بسبب الحرب الصهيو-أمريكية التي شنت على إيران، والتي أدت إلى زيادة المخاطر بالمنطقة.

Advertisement

وكما هو معروف فإن اقتصاد سلطنة عُمان ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، وهو أمر تقليدي في المنطقة، ويواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة في عملية تنويع مصادر الدخل بالرغم من بعض النجاحات التي حققتها السلطنة في القطاعات الاقتصادية الأخرى. وهذا السؤال يتكرر من قبل جميع المهتمين في البلاد ما إنْ كانت هناك استراتيجية وطنية واضحة لإدارة المخاطر ضمن السياسات الاقتصادية؛ فالمخاطر عديدة في أي دولة ريعية تعتمد على النفط في سياساتها المالية والاقتصادية. وتحتاج إلى “استراتيجية موحدة ومتكاملة” في هذا الشأن لمواجهة المخاطر المقبلة.

وقد قدّمت السلطنة العديد من المبادرات والبرامج في هذا الشأن أبرزها أنها وضعت خطة للتوازن المالي (2020- 2024)، والتي تُعدّ بمثابة إطار لإدارة المخاطر المالية؛ بهدف تقليل الاعتماد على النفط، وضبط الإنفاق العام، وتحسين كفاءة الإيرادات غير النفطية، وخفض العجز والدين العام تدريجيًا. وقد تضمنت هذه الخطة أيضًا آليات لمراقبة المخاطر المالية قصيرة ومتوسطة الأجل، منها على سبيل المثال توقعات بمعرفة الإيرادات بناءً على سيناريوهات أسعار النفط، ومعرفة مؤشرات الإنذار المبكر للعجز والمديونية، وخطط للطوارئ في حال حصول صدمات خارجية.

كما أن هناك دورًا كبيرًا للبنك المركزي العُماني فيما يتعلق بتحسين السياسات النقدية والرقابية لرصد مخاطر التضخم والتقلبات العالمية، وإدارة استقرار النظام المالي، وإصدار تقارير الاستقرار المالي سنويًا، وهي وثائق تُحلل المخاطر النظامية المحتملة على الاقتصاد. بجانب ذلك يلعب جهاز الرقابة الإدارية والمالية دورًا كبيرًا في رصد حالات الفساد ومكافحتها بسبب التلاعب في المال العام، فيما تعمل الحكومة على دمج مفاهيم إدارة المخاطر الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية بين مختلف المؤسسات من خلال التركيز على التنويع الاقتصادي، والاستدامة المالية، والاستثمار في الابتكار والمرونة المؤسساتية، بجانب تُشجيع رؤية “عُمان 2040” بناءً على قدرات وطنية في التنبؤ بالصدمات، ورفع جاهزية المؤسسات لمواجهة الأزمات، وتطوير أنظمة الحوكمة والرقابة المالية، والاسهام في كشف المخاطر التشغيلية وسوء الإدارة، ومكافحة الفساد والسرقات في المؤسسات الحكومية وكذلك القطاع الخاص باعتبار أن بعضها شركات مساهمة حكومية عامة.

وفي هذا الإطار، تعزّز الحكومة وتزيد من تنسيقها تجاه إيجاد وثيقة رسمية موحدة بعنوان “استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر الاقتصادية” بحيث يكون هناك تنسيق كامل بين المؤسسات المختلفة المعنية بالمخاطر (الاقتصادية، البيئية، الصحية، الجيوسياسية)، وتُدار بمنهجية قائمة على تحليل المخاطر، التنبؤ بالصدمات، ووضع سيناريوهات الاستجابة.

وبجانب ذلك، تعمل الجهات المعنية على توظيف منهجيات إدارة المخاطر في تحديد ومواجهة التحديات الاقتصادية للتقليل من الآثار السلبية للأزمات الاقتصادية وتحقيق استقرار نسبي من خلال مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، وتقلبات سعر الصرف، والركود الاقتصادي، وتغيّر السياسات الحكومية أو الضريبية، ومواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد، وانخفاض القوة الشرائية في بعض الاحيان. وفي الوقت نفسه تعمل الجهات المعنية على تطوير استراتيجيات الاستجابة للمخاطر من خلال إلغاء الأنشطة ذات المخاطر العالية وتنويع مصادر الدخل، وتوفير وسائل التأمين أو الشراكات لتوزيع الأخطار. كما تعمل على وضع خطط الطوارئ والمرونة الاقتصادية كبدائل مع بناء احتياطات مالية من خلال صناديق الطوارئ، وتطوير نماذج عمل مرنة تقبل التكيف السريع مع الظروف المتغيرة. وهي مستمرة في عمليات المراقبة والمراجعة، ومتابعة أداء الاقتصاد باستمرار لمؤشرات التضخم، والبطالة، والسياسات الحكومية، ومراجعة وتحديث خطة إدارة المخاطر بانتظام.

وعمومًا.. إنَّ منهجيات إدارة المخاطر توفّر إطارًا منظمًا لمواجهة التحديات الاقتصادية بتقليل آثارها وتعزيز قدرة الأفراد والمؤسسات على التكيّف والاستمرار، وهي ليست حلولًا فورية؛ بل أدوات للتخطيط الاستباقي والتفاعل الذكي مع المتغيرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى