آراء

أوهام سوق العمل: حين تتحول السياسات إلى شماعات اجتماعية

بقلم: معمر اليافعي

Advertisement

في كثير من الدول النامية، لا تُدار أزمات سوق العمل باعتبارها قضية تخطيط وسياسة عامة، بل يُعاد تصديرها إلى المجتمع على شكل صراع هويات: وافد في مواجهة مواطن، وكأن المشكلة خلل أخلاقي أو تنافس غير عادل بين الأفراد. هذا الخطاب، وإن كان مريحًا سياسيًا، يُخفي الحقيقة الأكثر إزعاجًا: الأزمة هي أزمة سياسات قبل أن تكون أزمة عمالة.

الوافد لا يدخل أي سوق عمل بقوة ذاتية، بل عبر تشريعات واضحة وقرارات رسمية واتفاقيات عمل. والمواطن لا يُقصى لأن السوق لفظه طبيعيًا، بل لأن التخطيط للقوى العاملة غالبًا ما يُدار بمنطق رد الفعل لا برؤية بعيدة المدى. وحين تغيب الرؤية، يصبح الجميع متهمين، بينما يظل القرار خارج دائرة المساءلة.

Advertisement

في هذا السياق، تتحول سياسات الإحلال الوطني إلى أرقام تُستهلك إعلاميًا أكثر مما تُقيَّم اقتصاديًا. تُعلن نسب التوطين، دون ربطها بجودة الوظائف، أو قدرتها على خلق قيمة مضافة، أو اندماجها في مشروع اقتصادي متكامل. وهكذا، يُختزل التوطين في إجراء إداري، لا في سياسة تنموية حقيقية.

بالتوازي، يُضخَّم “خطر الوافد” في الخطاب العام ليؤدي وظيفة سياسية واضحة: تحويل الانتباه من فشل التخطيط إلى صراع اجتماعي. بينما الواقع أن الوافد غالبًا ما يكون نتاج فراغ مؤسسي؛ يُستدعى لسد فجوة في الإدارة، أو لتفادي المنافسة، أو لتحمّل كلفة الفشل عند الحاجة. المشكلة هنا ليست في وجوده، بل في غياب سياسة سكانية واقتصادية متكاملة تحدد بوضوح حجم السوق واحتياجاته وحدوده الزمنية.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل سوق العمل عن حجم الاقتصاد نفسه. الدول لا تبني أسواق عمل قوية بمنطق الانكماش أو الخوف من الكثافة السكانية، بل بتوسيع القاعدة الإنتاجية وتنظيمها. النمو يحتاج بشرًا، مهارات، وحراكًا، لا قلقًا دائمًا من الأعداد. التعامل مع السكان باعتبارهم عبئًا هو اعتراف ضمني بفشل النموذج الاقتصادي، لا بفشل المجتمع.

أما الإنتاجية، فتُستخدم غالبًا كمصطلح اتهامي لا كأداة تحليل. تُقاس بالساعات والانضباط الشكلي، لا بالأثر والنتيجة، داخل مؤسسات تعاني من بطء القرار، وتداخل الصلاحيات، وضعف المحاسبة. في مثل هذه البيئة، لا المواطن يُنتج كما ينبغي، ولا الوافد يصنع فرقًا حقيقيًا، لأن الخلل في هيكل العمل نفسه.

وتكتمل الحلقة بوهم الرقابة. فاللجان والتقارير لا تصنع حوكمة إذا لم ترتبط بمساءلة القرار الأعلى. حين تُحمَّل المسؤولية للطبقات التنفيذية فقط، ويظل صانع السياسة بعيدًا عن التقييم، تتحول الرقابة إلى طقس شكلي يطمئن الرأي العام دون أن يُصلح الخلل.

الأخطر من ذلك كله هو الاعتماد على الحلول السريعة. مبادرات مؤقتة، قرارات عاجلة، وأرقام تُعلن لامتصاص الضغط السياسي أو الإعلامي. هذه الحلول قد تُهدّئ اللحظة، لكنها تُراكم الأزمة، لأن سوق العمل لا يُدار بمنطق الدورة الإخبارية، بل بمنطق الدولة.

في جوهرها، أزمة سوق العمل ليست أزمة وافد ولا مواطن، بل أزمة اختيار سياسي واقتصادي: هل نريد اقتصادًا متسعًا قادرًا على النمو، أم سوقًا منغلقًا يُدار بالخوف؟ هل نرى الإنسان أصلًا إنتاجيًا، أم رقمًا قابلًا للاستبدال؟

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القاع، ولا يُحلّ بتبديل الوجوه، بل يبدأ بمراجعة شجاعة للسياسات العامة، ومساءلة واضحة للقرار، وبناء نموذج اقتصادي يرى في البشر قوة لا عبئًا.

والسؤال السياسي الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: من نُوظّف؟

بل: أي دولة نُخطّط لها؟

معمر اليافعي “ابن الحصن”

كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر والهوية والفلسفة المعاصرة.

رئيس تحرير سابق لمجلة بيادر.

صاحب تجربة طويلة في الإعلام والثقافة والتجارة.

مؤسس مشروع ثروان؛ رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية، موصلة الماضي بالحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى