آراء

أوزبكستان.. كيف تحوّل الاقتصاد الإبداعي إلى محرك للنمو والابتكار

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، تبرز أوزبكستان كنموذجٍ متقدم في آسيا الوسطى، استطاع أن يجعل من الاقتصاد الإبداعي أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وتعزيز التماسك الاجتماعي. ومن خلال رؤية استراتيجية تجمع بين الإرث الثقافي العريق والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال، أعادت البلاد تعريف مفهوم التنمية عبر تحويل الإبداع إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، مع تركيز واضح على الشباب والشمولية.

ويكتسب الاقتصاد الإبداعي اليوم مكانة متزايدة بوصفه أحد أبرز قطاعات المستقبل، إذ تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أنه يسهم بنحو 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويولد إيرادات تتجاوز 2.3 تريليون دولار سنوياً، إضافة إلى توفيره 6.2% من فرص العمل حول العالم. هذا الزخم العالمي تجد أوزبكستان نفسها في قلبه عبر سياسات مدروسة وخطوات متسارعة.

Advertisement

وخلال لقائه المفتوح مع الشباب في فبراير 2025، أكد الرئيس شوكت ميرضيائيف أن نحو 98% من العاملين في الاقتصاد الإبداعي في البلاد هم من فئة الشباب، في إشارة إلى الدور المحوري الذي يلعبه الجيل الجديد، الذي يشكل بدوره أكثر من 60% من السكان. هذا التركيز يعكس رؤية واضحة تعتبر الشباب العمود الفقري لقطاعات مثل التصميم الرقمي، والإنتاج الإعلامي، والتقنيات الإبداعية.

وفي خطوة تشريعية غير مسبوقة على مستوى المنطقة، اعتمدت أوزبكستان قانون الاقتصاد الإبداعي رقم LRU-970 في أكتوبر 2024، بهدف بناء بيئة محفزة تجمع بين الفنون والتكنولوجيا وريادة الأعمال. ويغطي القانون 15 قطاعاً إبداعياً تشمل الفنون التطبيقية، والحرف التقليدية، والتقنيات الرقمية، والإعلان، والتراث الثقافي.

ويستند القانون إلى خمسة مبادئ رئيسية هي: الشرعية، والانفتاح، وحرية الإبداع، والمساواة، وحماية الملكية الفكرية. كما يقدّم حزمة من الحوافز تشمل إعفاءات ضريبية حتى عام 2030 للشركات التي يشكل النشاط الإبداعي 80% من دخلها، إضافة إلى منح مالية وتسهيلات في البنية التحتية الحكومية.

أوزبكستان

ولتعزيز هذا القطاع، أعلنت الحكومة عن إنشاء مجمعات صناعية إبداعية “باركس” في عدد من المناطق، لتعمل كحاضنات لريادة الأعمال والمشروعات الناشئة. وفي عام 2026، تم عرض خطط تفصيلية لإنشاء هذه المجمعات في طشقند وطشقند الجديدة ونوكوس، متضمنة مساحات عمل مشتركة ومراكز تدريب، إلى جانب نظام ضريبي تفضيلي يمتد حتى عام 2030. ويشرف على هذه المنظومة “المجلس الجمهوري لتنمية الاقتصاد الإبداعي”، الذي يضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني ورواد الأعمال.

وعلى الصعيد الدولي، عززت أوزبكستان حضورها عبر استضافة فعاليات كبرى، من أبرزها انعقاد الدورة الـ43 للمؤتمر العام لليونسكو في سمرقند عام 2025، وهي المرة الأولى التي يُعقد فيها خارج باريس منذ عام 1985، إضافة إلى استضافة طشقند للمؤتمر العالمي الرابع للاقتصاد الإبداعي.

داخلياً، يساهم الاقتصاد الإبداعي في تمكين المرأة والشباب في المناطق الريفية والنائية عبر برامج تدريبية متخصصة، فتُفتح أمامهم آفاق واسعة في مجالات الحرف التقليدية مثل الخزف والنسيج، مع دعم متزايد للتصدير عبر التجارة الإلكترونية، بما يعزز العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي بين المناطق.

ورغم التقدم الملحوظ، حيث بلغت مساهمة القطاع نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، بقيمة 56.8 تريليون سوم وصادرات تجاوزت 770.6 مليون دولار، وتوفير أكثر من 319 ألف وظيفة، لا تزال هناك تحديات مثل تمويل الشركات الناشئة الإبداعية وتطوير البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق. غير أن هذه التحديات تحولت تدريجياً إلى فرص عبر الشراكات مع البنك الدولي والأونكتاد، إضافة إلى جذب الاستثمارات الخاصة عبر نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ومن الناحية التحليلية، يمثل هذا القطاع فرصة استراتيجية لتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على الموارد التقليدية، خاصة أن 15% فقط من الوظائف الإبداعية معرضة للأتمتة، ما يمنحه قدرة عالية على الصمود أمام التحولات التكنولوجية.

ويرى الكاتب أن النموذج الأوزبكي يقترب في ملامحه من تجربة سلطنة عُمان في الدمج بين التراث الثقافي والابتكار الاقتصادي، إذ يمتلك البلدان إرثاً حضارياً غنياً مرتبطاً بالطرق التجارية التاريخية، ويعملان اليوم على توظيف هذا الإرث في دعم السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية.

وتفتح هذه القواسم المشتركة آفاقاً واسعة للتعاون بين أوزبكستان وسلطنة عُمان، خصوصاً في مجالات السياحة الثقافية، والحرف اليدوية، والاستثمار المشترك، مدعوماً بعلاقات ثنائية متنامية، ولجان مشتركة، وخطوط جوية مباشرة مرتقبة بين مسقط وطشقند.

وفي ضوء هذه الجهود، تسعى أوزبكستان إلى رفع مساهمة الاقتصاد الإبداعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2030، مع زيادة الصادرات إلى أكثر من مليار دولار، وتوفير ما يزيد على 500 ألف فرصة عمل. وهكذا، تؤكد التجربة الأوزبكية أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل خياراً اقتصادياً استراتيجياً قادراً على صناعة النمو والابتكار وبناء مستقبل أكثر شمولاً واستدامة.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب وباحث في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى