آراء

أمريكا وإيران: أيُّ طرفٍ سيُعيد حساباته؟

بقلم: سمير باكير

Advertisement

تاريخيًا، ارتكز مشروع تراكُم الضغط على إيران إلى فرضيةٍ مركزية مفادها أن تصاعد الضغوط سيُفضي في نهاية المطاف إلى تغيير حساباتها. وقد افترضت الولايات المتحدة دائمًا – وما تزال – أن المشكلة، إن وُجدت، لا تكمن في جوهر استراتيجية الضغط، بل في مستواه وحدوده.

لاحقًا، نجح الكيان الإسرائيلي في إقناع واشنطن بأن تغيير الحسابات الإيرانية في القضايا المرتبطة بأمنها القومي يتطلّب ضغطًا يرقى إلى حدّ تهديد وجود الدولة نفسها. ووفق هذا الطرح، فإن طهران لن تُعيد النظر في مقاربتها الأمنية إلا إذا شعرت بأن كيانها مهدَّد بصورة مباشرة.

Advertisement

وقد تصرّف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن هذه المقاربة تحديدًا؛ إذ اعتبر أن عدم تراجع إيران مردّه إلى عدم كفاية الضغط، وأن تراكمه إلى مستوى معين سيؤدي حتمًا إلى تعديل الحسابات الإيرانية. ومن المرجّح أن الإحاطة التي قدّمها بنيامين نتنياهو لترامب في منتجع مارالاغو انطلقت من الفرضية نفسها: إذا بلغ الضغط مداه الكافي، ستتغيّر الحسابات، ولا ينبغي إظهار أي تردّد في مواصلة التصعيد.

جزءٌ أساسي من مشهد حشد القوات، والتهديدات المتكرّرة، وإنتاج خطاب واسع حول قرب اندلاع الحرب، يمكن قراءته بوصفه حملة إدراكية مدروسة، تستهدف التأثير في المجتمع وصنّاع القرار، ودفعهم إلى الاعتقاد بأن الخيارات تنحصر بين الحرب أو الاستسلام، وأن لا وجود لمسار ثالث.

هذا ما وصفتْه مصادر إسرائيلية مؤخرًا بـ«فرط التهوية للمجتمع الإيراني»، أي إغراقه – قيادةً ومجتمعًا – بعبء إدراكي كثيف يُفضي إلى إنهاك ذهني، ومن ثمّ إلى قرارات انفعالية لا تستند إلى حسابات عميقة ومتأنية.

في المقابل، قرّرت القيادة الإيرانية، ومعها القوات المسلحة وشريحة واسعة من النخبة السياسية، توجيه رسالة معاكسة مفادها أن الضغط – مهما بلغ – لن يُغيّر حساباتها. فالاستجابة تحت الضغط، وفق هذا المنطق، لا تؤدي إلا إلى مزيد منه.

غير أن اختزال ما جرى في إطار «حرب إدراكية» فحسب يقدّم نصف الصورة فقط. فالنصف الآخر يتمثّل في أن ترامب انخرط في مسارٍ كان يأمل – وربما كان واثقًا – أن يفضي إلى استسلام إيراني تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة، غير أن ذلك لم يتحقق، ما وضعه أمام معادلة معقّدة: ماذا بعد؟

اليوم، يقف ترامب أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في فرضية أن الضغط لم يبلغ حدّه الأقصى بعد، وأن زيادته ستؤدي في النهاية إلى النتيجة المرجوّة؛ أو الإقرار بأن هذا المسار قد لا يكون مجديًا في مواجهة دولة مثل إيران، ومن ثمّ البحث عن مقاربة مختلفة.

هناك تيار واسع يدفع باتجاه التصعيد، وبرزت في هذا السياق فكرة «الضربة المحدودة» كأداة لفرض اتفاق. غير أن طهران أوضحت أن لا وجود لما يُسمّى ضربة محدودة؛ فأي عمل عسكري سيقود، برأيها، إلى تصعيد واسع، ولن تكون نتيجته استسلامًا، بل ردًا مباشرًا على الولايات المتحدة.

لذلك يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة. فالمسار الذي سلكته واشنطن، بتشجيع من نتنياهو، لم يُنتج حتى الآن نصرًا حاسمًا، بل أفضى إلى مأزق سياسي واستراتيجي.

ومع اقتراب جولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تبرز حقيقة أساسية: حسابات إيران، كما تقول قيادتها، لا تتبدّل تحت الضغط. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تُعيد واشنطن حساباتها وتبحث عن مسار جديد، أم تواصل الرهان على استراتيجية أثبتت محدوديتها؟

القرار في نهاية المطاف بيد الولايات المتحدة. فإذا جرى تعديل النهج، قد يصبح الاتفاق ممكنًا. أما إذا استمر مسار التصعيد، فإن إيران تعلن استعدادها لتحمّل الكلفة لإثبات فشل سياسة الضغط، معتبرةً أن كلفة الصمود – على المدى البعيد – أقل من كلفة الخضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى